أحمد مصطفى المراغي
12
تفسير المراغي
فالمؤمن قد يشغله هناء العيش عن حاجته إلى ربه ، لكن الشدائد تذكره به ، والكافر بالنعم قد يعرف قيمتها له بفقدها ، وتنبهه الشدائد والأهوال إلى وجود الرّب الخالق المدبر لأمور الخلق وتذكره الأهوال بمصدر هذا النظام في الكون . ( ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ) أي ثم أعطينا بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة ، الرخاء والسعة . ( حَتَّى عَفَوْا ) أي حتى كثر عددهم ونموا ، إذ أن الرخاء مما يكون سببا في كثرة النسل وبه تتم النعمة في الدنيا على الموسرين ، ومن هذه الحسنات ما حدث لقوم هود من النعم التي بطروا بها وذكرهم هود بها في قوله : « وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » وكذا ما قاله صالح لقومه : « وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ » ( وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) أي وقالوا قولا يدل على أنهم لا يعتبرون بأحداث الزمان . قالوا قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر ، وما نحن إلا مثلهم فيصيبنا مثل ما أصابهم ، والدهر بالناس قلّب . وتلك عادة الدهر بأبنائه ، فلا الضراء عقاب على ذنب يرتكب ، ولا السراء جزاء على صالحات تكتسب . وخلاصة هذا - إنهم لم يفهموا السنن التي وضعها المولى سبحانه في أسباب السعادة والشقاء في البشر والتي أرشد إليها قوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » ومن ثم لم يتذكروا ولم يعتبروا حين ذكرهم رسولهم ، بل أعرضوا ونأوا . ( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أي فكان عاقبة أمرهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا شعور لديهم بما سيحل بهم ، إذ هم قد جهلوا سنن اللّه التي وضعها في شؤون